رمضان خميس الغريب

211

الإمام محمد الغزالي ( جهوده في التفسير وعلوم القرآن )

وجل وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ « 1 » حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند اللّه إنهم يقفون منه موقف الماجن أمام أب ثاكل قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه ولكنه يؤخذ فترة ما بصدق العاطفة الباكية أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون . . إنه قد يرجع مستهزئا ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها والمنكرون من هذا النوع لا يطعنون في التأثير النفساني للقرآن الكريم كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة ) « 2 » . والشيخ يوضح بذلك أن القرآن الكريم يأخذ على النفس دروبها والمسالك وعلى أنظارها من كل صوب وحدب فلا تملك إلا أن تخضع لأسرة وتقنع لسلطانه وقهره وكفى بذلك من إعجاز . ثانيا : معالجته لآفة الجدل بأوقع أسلوب : كما أن الملمح الثاني الذي يذكره الشيخ عند الإنسان بأبلغ أسلوب وأوقع بيان ( يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تقدمه في الجدل ألا وهي تقديم الدليل المفهم لكل شبهة وتسليط البرهان القاهر على كل حجة ) « 3 » . فالجدل آفة نفسية وعقلية معا والنشاط الذهني للمجادل يمده حراك نفسي خفى فقلما يهدأ بسهولة وجماهير الناس لديها من أسباب الجدل ما يفوق الحصر وأسلوب القرآن في استلال الجفوة من النفس وإلقاء الصواب في الفكر الموفى على الغاية في هذا المضمار ذلك أنه لون حديثه للسامعين تلوينا يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معا ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولا لم يفلت آخرا وذلك هو تصريف الأمثال للناس إنه إحاطة الإنسان بسلسلة من المغريات المنوعة لا معدى له من الركون إلى إحداها أو معالجة القلوب المقفلة بمفاتيح شتى لا بدّ أن يستسلم القفل عند واحد منها « 4 » ، وهذا التلوين في الخطاب

--> ( 1 ) الإسراء من الآية 89 . ( 2 ) نظرات في القرآن ، ص 112 - 113 ، محمد الغزالي . ( 3 ) نظرات في القرآن ، ص 113 . ( 4 ) راجع نظرات في القرآن ، ص 114 .